الحرب تتفاقم والقنوات الديبلوماسية مقفلة

الوقائع الميدانية في تطوُّر متسارع؛ مواجهات عنيفة على الحدود الجنوبية بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي «حزب الله»، في موازاتها قصف إسرائيلي مدمِّر للبنى المدنية على امتداد المنطقة الجنوبية، وبشكل مركَّز على الضاحية الجنوبية التي تعرّضت في الساعات الأخيرة إلى عشرات الغارات الجوية أدّت إلى تسوية عشرات الأبنية السكنية بالأرض. فيما لبنان الرسمي مستنفر اجتماعياً لاحتواء كارثة النزوح وآثارها الرهيبة على عشرات آلاف اللبنانيِّين الذين يفترشون الأرصفة في العراء، ومستنفر سياسياً في اتصالات سياسية وديبلوماسية مترامية الأطراف الخارجية، سعياً لوقف العدوان الإسرائيلي.
وعلى ما تؤكّد مصادر سياسية واسعة الإطّلاع لـ«الجمهورية»، فإنّ «تلك الاتصالات عكست بوضوح إجماعاً دولياً على دعم الموقف اللبناني الرسمي الرافض جرّ لبنان إلى حرب لا يريدها، ولقفز فئة معيّنة فوق موقف الدولة وتفرّدها بخطوات ومغامرات تورّط لبنان بحروب غيره، وتهدّد مصيره بل مصير اللبنانيِّين بصورة عامة، وتتسبّب بتبِعات على الإستقرار الداخلي، وكارثة اجتماعية التي انفجرت بمئات آلاف النازحين، وتداعيات خطيرة على كلّ المستويات لا قدرة له على مجاراتها وتحمّل أكلافها».
ولفتت المصادر عينها، هو «أنّ الدعم الخارجي الذي أُبدِيَ تجاه الموقف الرسمي وبدا موقفاً عاطفياً حاضناً له، صوّب بشكل مباشر على «حزب الله» كمتسبِّب بجرّ الكارثة على لبنان، لكن من دون أن يؤشّر إلى تحرّك ما ديبلوماسي أو غير ديبلوماسي، أو أن يقطع التزاماً جدّياً بتحرّك فاعل لإنهاء الحرب على لبنان، أقلّه في الوقت الراهن، في ظل الغموض الشديد الذي يشوب الميدان العسكري المجهولة مجرياته وامتداداته».
وتنتهي المصادر الواسعة الإطلاع في مقاربتها للمشهد اللبناني إلى خلاصة متشائمة، تفيد بأنّ «لبنان حالياً، على رغم من خطورة وضعه، ماضٍ على ما يبدو في مراوحة خطيرة في الوقت الضائع إقليمياً ودولياً، فأولوية الدول منصبّة على هذه الحرب وتتبُّع مجرياتها وترقّب ما ستؤول إليه. وهذا يعني أنّ لبنان، وحتى جلاء صورة الإقليم التي لا يبدو أنّ ثمّة أفقاً زمنياً لتبلورها، سيبقى ساحة مفتوحة للعدوانية الإسرائيلية، مع ما تحمله من مخاطر تدميرية على العمق اللبناني، وتوغلات احتلالية في المنطقة الجنوبية».
حراك يَتيم
على أنّ الحراك العاجل الذي قاده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، بعد التفريغ الإسرائيلي للضاحية الجنوبية، لمنع استهدافها وتفاقم الحرب الإسرائيلية على لبنان، يبدو في الشكل والجوهر، أنّه يتيم. وعلى ما يقول مصدر مطلع على المسعى الفرنسي لـ«الجمهورية» إنّ «مسعى الرئيس الفرنسي أُحبِطَ سريعاً، لم يلقَ استجابةً من الجانب الإسرائيلي، الذي أتبع مبادرة ماكرون بغارات مكثفة على الضاحية الجنوبية ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع، وتوجيه إنذارات بإخلاءات للعديد من المناطق البقاعية». وفيما تردّدت معلومات عن أنّ مبادرة الرئيس ماكرون اقترحت حلاً لإنهاء الحرب يقوم على استسلام كامل لـ«حزب الله»، بما يعني حصر السلاح بصورة كاملة بيَد الدولة وحدها، وبالتالي تسلّمها زمام الأمور، استفسرت «الجمهورية» مسؤولاً رفيعاً حول حقيقة الأمر، فأوضح: «مؤسف جداً تمَوضع البعض في «غرفة الغباء»، تعبث بأذهان اللبنانيِّين وتصبّ على معاناتهم مبالغات، أو اختلاقات مجافية للواقع، أو ادّعاءات مسيئة، أو روايات موحى بها يُراد منها إرباك الجو العام».
وأوضح المصدر الرفيع «أنّ المبادرة الفرنسية مشكورة وجوهرها وقف الحرب، والموقف اللبناني أكثر مَيلاً لوقف الحرب ومنع استمرارها، وعلى هذا الأساس كان التأكيد على الثوابت اللبنانية، والأهم الإلتزام الكلّي والفاعل من كل الأطراف باتفاق وقف الأعمال العدائية، الذي لو نُفِّذ كما يجب، والتزمت إسرائيل بمندرجاته منذ الإعلان عنه في تشرين الثاني من العام 2024، لما وصلنا إلى ما نحن فيه في هذه الأيام». وخَلُصَ إلى القول: «ماكرون بادر مشكوراً، لكن لا أعتقد أنّ مبادرته ما زالت قائمة، فمن الواضح أنّ الإسرائيليِّين ومَن هُم خلفهم قد أحبطوها».
عون وماكرون
وفي هذا السياق، اعلن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهوريّة، في بيان، أنّه «في إطار التشاور المستمر لمواكبة التطوّرات الأمنيّة، تلقّى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون اتصالًا هاتفيًّا مساء امس من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تمّ خلاله البحث في آخر المستجدّات، وتقييم نتائج الاتصالات الجارية لوقف التصعيد بعد اتساع الاعتداءات الإسرائيليّة في الجنوب والبقاع والضّاحية الجنوبيّة من بيروت».
ما قبل تشرين
الصورة الحربية من الجنوب إلى الضاحية وسائر المناطق اللبنانية، تشي بواقع جديد، بداً جلياً فيه أنّ الوضع عاد إلى مرحلة ما قبل الإعلان عن اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني من العام 2024. وفي ظلّ العمليات العسكرية المتسارعة من قِبل الجيش الإسرائيلي و»حزب الله»، فإنّ التقديرات تتقاطع على افتراض أنّ الجانبَين يسعيان إلى فرض وقائع جديدة تقلب الميزان القائم، لأنّ إسرائيل أعلنت على لسان وزير دفاعها يسرائيل كاتس أنّ هدفها إنهاء «حزب الله» وإلزام لبنان باتفاق جديد وفق القواعد التي تفرضها، فيما أكّد «حزب الله» سعيه إلى فرض وقائع على إسرائيل، تمنعها من الاستمرار في استباحة لبنان كما كان عليه الحال خلال الأشهر الـ15، التي تلت الإعلان عن اتفاق تشرين.
القنوات مقفَلة
وفيما تُجمِع التقديرات الحربية بأنّ الحرب ما زالت في بدايتها، ولا إمكانية من الآن لتحديد مساراتها، والمنحى الذي ستتدحرج إليه سواء في الميدان العسكري أو السياسي، عبّر مصدر ديبلوماسي غربي، رداً على سؤال لـ«الجمهورية» عن تخوُّفه البالغ ممّا وصفها مرحلة شديدة الصعوبة.
وأكّد المصدر «أنّ «حزب الله» يتحمّل مسؤولية إدخال لبنان في وضع صعب، والحكومة اللبنانية اتخذت القرار الصائب بحظر جناحه العسكري واعتباره خارجاً عن القانون، لما يتسبّبه من مصاعب على لبنان بالدرجة الأولى خدمة لإيران بالدرجة الأولى»، إلّا أنّه عبّر عن مفاجأته من الانتشار الواسع لمقاتلي الحزب في منطقة جنوب الليطاني، وعلى مسافات قريبة جداً من الحدود، مضيفاً: «إنّ «حزب الله» ينسف بشكل واضح الجهود التي بذلتها الدولة اللبنانية على مدى الأشهر الماضية في إخلاء منطقة جنوب الليطاني من المظاهر المسلّحة، وضمن خطّتها بحصر السلاح بيَد الدولة. إنّ من شأن انتشار «حزب الله» جنوب الليطاني أن يخلق واقعاً خطيراً جداً».
ورداً على سؤال، أوضح المصدر الديبلوماسي الغربي ما مفاده: «أن لا معلومات حول أي حراك ديبلوماسي لبلوغ اتفاقات أو تفاهمات، ولا أعتقد أنّ ثمّة فرصة حالياً للحديث بصورة جدّية عن فتح القنوات الديبلوماسية، ما يعني أنّ القنوات الديبلوماسية مقفلة».



